محمد بن أحمد الشاذلي ( ابن زغدان )

98

قوانين حكم الاشراق إلى كافة الصوفية بجميع الآفاق

--> - ومنها قوله عن أنس قال : صلّى بنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ذات يوم ، فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال : « أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ، ولا بالسجود ، ولا بالقيام ، ولا بالانصراف ، فإني أراكم أمامي ومن خلفي . ثم قال : والذي نفس محمد بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ، ولبكيتم كثيرا ، قالوا : وما رأيت يا رسول اللّه ، قال : رأيت الجنة والنار » . رؤيته عليه السّلام لأصحابه من وراء ظهره رؤية حقيقية ، ثم الرؤية المذكورة في هذه الأحاديث مذهب الجمهور ، وهو الصواب المختار أنها على ظاهرها ، وأنها رؤية حقيقية ، وإدراك حقيقيّ ، اختص به صلى اللّه عليه وسلّم ، انخرقت له فيه العادة ، وعلى هذا عمل البخاري ، فإنه أخرج هذا الحديث في علامات النبوة ، وكذا نقل عن أحمد وغيره خلافا لمن حمل الرؤية فيه على الرؤية القلبية ، وهي رؤية البصيرة ، وإن صح أو على العلم إما بوحي بأن يوحى إليه كيفية فعلهم ، وإما بإلهام بأن يلهمه اللّه تعالى حالتهم وهيأتهم ، فإن ذلك بخلاف ما تظاهرت عليه الظواهر التي لا يحيلها عقل ، ولا يعارضها شرع ، ولو كان المراد العلم لم يقيد بقوله : ( من وراء ظهري ) . ومنهم من حملها على أنه كان يلتفت يمينا وشمالا التفاتا يسيرا ، لا يلوي فيه عنقه ، يدرك به حال من وراءه ، ولا يخفى ما فيه من التكلف والعدول عن الظاهر بلا موجب مع ما فيه من ارتكاب ما لا يليق بالمقام ، وقد أنكره أحمد على قائله ، والظاهر أنها كانت من غير عضو ولا مقابلة ، ولا شيء مما جرت به العادة بناء على مذهب أهل الحق ، وهم أهل السّنة من أن الرؤية لا يشترط لها عقلا عضو مخصوص ، ولا مقابلة ، ولا شعاع ، ولا تتوقف على ضوء ، ولا على قرب ، كما لا تتوقف على الآلة المخصوصة التي هي العين ، وإنما هذه أمور عادية يجوز عقلا حصول الإدراك مع عدمها ، ولذا حكموا بجواز رؤية اللّه تعالى في الدار الآخرة ، خلافا لأهل البدع بوقوفهم مع العادة . وجوز بعضهم كونها برؤية عينية ، وإنه انخرقت له فيهما العادة أيضا ، وصحّح آخرون كونها بعين خلف ظهره يرى بها من ورائه ، لا يحجبها الثياب ولا غيرها ، وبعض المتكلمين أن تكون بإدراك خلق له في القفا أعم من كونه في بنية أم لا أخذا من قوله في بعض الروايات : « إني لأبصر من قفايا كما أبصر من بين يدي » . وقيل : كان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط يبصر بهما ، لا يحجبهما أيضا ثوب ولا غيره ، قاله مختار بن محمود الحنفي الزاهدي شارح القدوري من الحنفية . ورده أبو الفضل قاسم بن سعيد العقباني قائلا هذا مع ما وصف به من كمال الخلقة يشين ، ولو أن إنسانا كانت له عينان في قفاه لكان أقبح شيء ، وخيال غيره هو قول مرغوب عنه بل ساقط ، ونازع بعضهم فيه ، وفي القولين قبله بأنها تحتاج لتوقيف من الشارع . ورواية : ( من قفايا ) ليست نصّا في المراد . وقيل : بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته ، كما تنطبع في المرآة ، فترى أمثلتهم فيها فيشاهد أفعالهم ، ورد بأنه يحتاج أيضا إلى توقيف ، وظاهر الحديث أن ذلك يختص بحالة الصلاة . -